بوابة الجحيم.. هل يفتح صراع روسيا وبولندا أبواب الحرب العالمية الثالثة؟

بوابة الجحيم.. هل يفتح صراع روسيا وبولندا أبواب الحرب العالمية الثالثة؟

6m 15d

فجر 10 سبتمبر/أيلول الحالي، أطلقت روسيا 19 طائرة مسيّرة من داخل بيلاروسيا (حليفة موسكو) والتي دخلت إلى عمق الأجواء البولندية، بعضها أُسقط والآخر تحطم في الأجواء، دون وقوع خسائر بشرية.

من جانبها، بررت موسكو ما جرى بأن المسيّرات "انحرفت بسبب تشويش إلكتروني" لكن خبراء الدفاع يعتبرون هذا التفسير غير واقعي، والأرجح أنه اختبار متعمد لرد فعل الناتو .

وفق هذه التطورات الميدانية، فُعّلت المادة 4 من الناتو لبدء مشاورات جماعية طارئة حول ما جرى، حيث وُصف بأنه "أخطر اختراق" لأجواء الناتو منذ تأسيسه.

ويعتقد بعض الخبراء الغربيين أن ما حدث يمثل تصعيدا جديدا ضمن سلسلة طويلة مما وصفوه بالانتهاكات الروسية.

ولذلك، فإن البعض طالب بإعلان أن أي اختراق لأجواء بولندا أو دول الناتو سيتم اعتراضه فورا، كما اقترحوا تعزيز دوريات الطيران وأنظمة الدفاع الجوي في بولندا ودول البلطيق وبناء دفاعات طبقية على حدود الناتو الشرقية، إلى جانب تبني إستراتيجية دفاع أمامي، تتمثل في إسقاط المسيّرات والصواريخ داخل أوكرانيا أو حتى بيلاروسيا إذا كانت متجهة نحو دول تابعة لحلف الناتو، إلى جانب دعم قدرة أوكرانيا على ضرب مصانع إنتاج المسيرات في عمق روسيا، عبر تزويدها بالمعلومات والقطع وربما أنظمة بعيدة المدى لتحقيق الأهداف المرجوّة.

وفي هذا السياق، فإن بولندا لم تنتظر أن تصل موسكو إلى حدودها كما جرى مؤخرا كي تتخذ إجراءات دفاعية، إذ تجهزت بولندا طويلا لسيناريوهات مماثلة.

ويكفي أن نعود عامين للوراء لنتأمل إعلان وزير الدفاع البولندي ماريوس بلاشتشاك إبرام صفقة لشراء 486 قطعة من وحدات الإطلاق والتحميل لأنظمة الصواريخ المدفعية عالية الحركة والشهيرة باسم "هيمارس" (هاي مارس ) التي تُنتجها شركة "لوكهيد مارتن" الأميركية، وقد بدأت عمليات التسليم في مايو/أيار 2025.

والجدير بالذكر أن هذه ليست الاتفاقية الأولى من هذا النوع، فقد تسلمت بولندا من قبل 18 راجمة صواريخ من نفس النوع في صفقة قُدِّرت بنحو 414 مليون دولار.

و"هيمارس" هي راجمة صواريخ مثبتة على شاحنة تزن خمسة أطنان، ويمكنها إطلاق ستة صواريخ موجَّهة دقيقة في تتابع سريع، مع فترة إعادة تحميل تصل إلى 5 دقائق فقط، وفي حين يصل مدى الصواريخ المعتاد إلى نحو 80 كم، فإن بإمكان المنظومة أيضا إطلاق صواريخ تكتيكية من النوع "إم جي إم-140 أتاكمز" يصل مداها إلى 300 كم.

وقد بيَّنت وزارة الدفاع البولندية أن الصفقة تشمل ربما ما هو أهم من ذلك، وهو الاستحواذ على تكنولوجيا الصاروخ الذي تستخدمه أنظمة "هيمارس"، ما يعني نية مستقبلية لإنتاج تلك المنظومة، وهذا التصريح وحده يستحق بعضا من التأمل، إذ يُعَدُّ "هيمارس" واحدا من أنظمة المدفعية الصاروخية الأكثر تقدما في العالم.

ويكفي أن نعرف مثلا أن الأوكرانيين امتلكوا منها 18 قطعة فقط خلال عام الحرب الأول، وكان هذا العدد فعالا في التصدي للهجوم الروسي في دونباس، وساهم في إجبار موسكو على الانسحاب من خيرسون، وتمكنت هذه المنظومة في عدة أشهر فقط بداية من يونيو/حزيران 2022 من ضرب أكثر من مئة موقع روسي مهم، ونجحت في تعطيل خطوط الإمداد الروسية، ودمرت المخازن وقوات المدفعية المتمركزة على بُعد نحو 50 كيلومترا خلف الخطوط الروسية.

ما سبق ليس إلا قمة الجبل الثلجي فقط. في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، وبينما كانت البلاد تحتفل باستقلالها عن  الاتحاد السوفيتي ، قال رئيس الوزراء البولندي ماتيوش مورافيتسكي: "يجب أن يكون الجيش البولندي قويا بحيث لا يضطر إلى القتال بسبب تلك القوة"، مشيرا إلى خطة تقودها البلاد بينما تُكتب هذه الكلمات لتصبح القوة العسكرية رقم واحد في كل أوروبا بحلول نهاية هذا العقد.

وفي الواقع، تعد خطة بولندا طموحة لدرجة أن الرجل نفسه كان قد صرح قبل عدة أعوام أن بلاده ستزيد إنفاقها العسكري إلى 4% من الناتج المحلي الإجمالي، في قفزة يظنها البعض خطيرة بالنسبة للاقتصاد البولندي، ويظن البعض الآخر أنها ضرورية خاصة مع النمو الاقتصادي البولندي المرتفع مؤخرا مقارنة بكل دول أوروبا التي واجهت أقوى الاقتصادات بها أزمات كبرى بعد الوباء والحرب.

وإلى جانب ذلك فإن حاجة بولندا إلى الأمن على الحدود الأوكرانية بعد الحرب الروسية على أوكرانيا لا تحتاج إلى الكثير من التفكير، والواقع أن المشهد الأوروبي بل والعالمي يتغير في سياق هذه الحرب، وفي ظل صعود الصين، حيث غيرت كثير من الدول مثل سويسرا وألمانيا واليابان بل ونيوزيلندا من عقيدتها العسكرية لتصبح في المجمل أكثر تحفزا لعدو قادم، وبالتبعية أكثر احتياجا إلى تطوير قواتها المسلحة.

ولكن بولندا تمضي كما يبدو إلى ما هو أعمق من ذلك، أنفقت البلاد ما يعادل 2.4% من الناتج المحلي الإجمالي على الجيش في عام 2022، وهي في هذا الوضع كانت ثالث أعلى نسبة بين دول حلف الناتو، بعد اليونان بنسبة 3.76%، والولايات المتحدة بنسبة 3.47%، بعد هذه القفزة ستصبح بولندا لا شك في المركز الأول، وستظل عند هذا المركز لفترة ليست بقصيرة، خاصة أن هناك نية لدى البولنديين لزيادة الإنفاق العسكري إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد في العقد المقبل.

وفي الحقيقة، إن خطط بولندا لتطوير جيشها سابقة للحرب الروسية على أوكرانيا، لكنها تسارعت وتضخمت بسببه لا شك إلى مستوى قياسي، وكانت الحكومة تطمح بقوة إلى تعزيز المكانة العسكرية للبلاد بأي ثمن رغم كل الانتقادات، وبالتالي فإن ما فعلته الحرب الروسية على أوكرانيا هو أنها سرّعت بشكل أو بآخر، أو ربما برّرت كل ما فعلته بولندا وما ستفعله مستقبلا.

ونتحدث هنا عن دولة قُمعت على مدى مئات الأعوام وتغيرت حدودها بكثافة نادرا ما يمكن أن تراها في هذا العالم، احتُلَّت وقُسِّمت أكثر من مرة وسقط اقتصادها مرات متتالية، وأخيرا باتت تمتلك واحدا من أقوى الاقتصادات في العالم مع حكومة قومية متشددة وعدو هائل بات واقفا الآن على حدودها الشرقية، فما الذي يمكن أن ننتظره من هذه التركيبة الفريدة، وهل يمكن أن يؤدي التصعيد الروسي تجاه بولندا إلى انزلاق أوروبا بقيادة بولندا إلى حرب عالمية ثالثة؟