جبل عرفات يتحدى الزمن.. أعجوبة جيولوجية عمرها 9 ملايين عام

جبل عرفات يتحدى الزمن.. أعجوبة جيولوجية عمرها 9 ملايين عام

11m 35s

يرتبط جبل عرفات في قلب مكة بلحظات تتكرر كل عام عندما يقف عليه آلاف الحجاج في مشهد إيماني تهفو له القلوب، لكن خلف هذا المشهد قصة أقدم من التاريخ البشري نفسه، تتعلق بنشأة هذا الجبل.

ورغم أن أحداث هذه القصة تعود إلى ملايين السنين، فإن آثارها لا تزال محفوظة في صخور الجبل حتى اليوم، والتي تحولت إلى أرشيف حي يسجل في صمت تاريخ المنطقة.

وخلال دراسة نشرت في دورية"جورنال أوف راديو أناليتيكال آند نيوكلير كيميستري" ، حاول مجموعة من علماء مختبر فيزياء الإشعاع بقسم الفيزياء بمعهد كومساتس لتكنولوجيا المعلومات في باكستان، فتح هذه الملفات، ليخرجوا بمجموعة من المفاجآت، أبرزها أن نشأة الجبل كانت جزءا من قصة تكتونية أكبر تتعلق بظهور البحر الأحمر.

كانت البداية من سطح الجبل، حيث يقف الحجاج على صخور تبدو ساكنة وبسيطة، لكن ما كشفه العلماء من خلال عينات تم جمعها، أنها تنتمي إلى نوع يعرف باسم "الجرانوديوريت"، وهو صخر ناري عميق يتكون عندما تبرد الصهارة ببطء داخل الأرض، فينتج عنه صخر صلب مليء ببلورات المعادن.

ووجد الباحثون أن داخل هذه الصخور، تظهر معادن مألوفة مثل الكوارتز والفلسبار والميكا.

التأريخ بالمسارات الانشطارية

وكانت الخطوة التالية التي سعى لها العلماء هي فهم عمر جبل عرفات، حيث استخدموا لتحقيق ذلك، تقنية دقيقة تعرف باسم "التأريخ بالمسارات الانشطارية".

وتعتمد تلك التقنية على أنه داخل البلورات المعدنية الدقيقة المختبئة في الصخور، توجد كميات ضئيلة من عنصر اليورانيوم، وهو عنصر غير مستقر، ومع مرور الزمن، تنشطر بعض ذراته تلقائيا، مطلقة شظايا ذرية متناهية الصغر تتحرك بسرعة هائلة داخل البلورة.

ولا تمر هذه الشظايا دون أثر، إذ تترك خلفها "خدوشا" أو مسارات مجهرية دقيقة جدا، لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة، لكنها تبقى محفوظة داخل المعدن لملايين السنين.

إعلانولرؤية هذه الآثار، يقوم العلماء بصقل العينات المعدنية ومعالجتها كيميائيا، ثم يفحصونها تحت المجهر، لتظهر شبكة من الخطوط الدقيقة التي تشبه آثارا محفورة داخل الزجاج، وكل مسار من هذه المسارات يمثل حدثا إشعاعيا وقع في الماضي البعيد، وكلما زاد عمر الصخر، زاد عدد هذه الآثار المتراكمة داخله، ومن خلال عدها وقياس كمية اليورانيوم في المعدن، يستطيع الباحثون حساب الزمن الذي مر منذ أن برد الصخر واستقر جيولوجيا.

والمميز في هذه التقنية، أنها لا تكشف لحظة ولادة الصهارة نفسها، بل تحدد اللحظة التي بردت فيها الصخور بدرجة كافية لحفظ تلك الآثار الدقيقة، ولهذا السبب تعد أداة مهمة لتوثيق تاريخ الجبال والنشاط البركاني وحركة القشرة الأرضية.

وفي حالة جبل عرفات، استخدم العلماء هذه التقنية على معادن موجودة داخل صخور الجرانوديوريت، ليكتشفوا أن هذه الصخور تشكلت في فترة تمتد إلى ملايين السنين، ضمن عصر الميوسين المتأخر، أي أن الجبل ليس مجرد تشكيل حديث نسبيا، بل جزء من تاريخ عميق للأرض يعود إلى نحو 9 ملايين سنة.

وفي ذلك الزمن السحيق، كانت الأرض مختلفة تماما، وكانت القوى التكتونية تعيد تشكيل المنطقة مع انفتاح البحر الأحمر وتغير ملامح القارة، أي أن صخور الجبل تحمل آثار تلك المرحلة التكتونية التي شهدت انفصال شبه الجزيرة العربية عن أفريقيا وانفتاح البحر الأحمر، ما يجعله جزءا من السجل الأرضي لتكون واحد من أهم البحار في العالم.

من التاريخ إلى الحاضر

ومن هذا التاريخ التكتوني الذي كتبته الصخور وفك شفرته العلماء، تم الانتقال إلى الحاضر عبر سؤال أبسط كثيرا سعت الدراسة للإجابة عنه، وهو إن كانت صخور هذا الجبل تحمل أي خطر على البشر.

ومثل كثير من الجبال حول العالم يحتوي جبل عرفات على العناصر الطبيعية، مثل اليورانيوم والثوريوم والبوتاسيوم المشع، لكن الباحثين أثبتوا عبر تحليل الصخور وقياس مستويات العناصر المشعة الطبيعية فيها، ثم مقارنة النتائج بالمعايير الدولية، أن الإشعاع في الجبل آمن تماما، ولا يشكل أي خطر صحي على الإنسان.

ولا تمثل هذه النتيجة أي مفاجأة للدكتور حسن بخيت، نائب رئيس اتحاد الجيولوجيين العرب، إذ إن وجود إشعاع طبيعي داخل صخور جبل عرفات ليس غريبا.

ويقول للجزيرة نت: "لا يعني بالضرورة وجود إشعاع طبيعي أن هناك خطرا صحيا، فمعظم الصخور النارية على الأرض تحتوي أصلا على نسب ضئيلة من عناصر مشعة مثل اليورانيوم والثوريوم والبوتاسيوم، والأهم علميا هو مستوى الجرعة الإشعاعية الفعلية".

ويضيف أن "ما رصده الباحثون يعكس الطبيعة الجيولوجية للصخور العميقة المرتبطة بالدرع العربي، وهي صخور نارية تكونت في أعماق القشرة الأرضية وتحمل نشاطا إشعاعيا طبيعيا داخل معادنها، وهي ظاهرة جيولوجية طبيعية، وليست مؤشرا على خطر إشعاعي استثنائي".