
عقدة "بيت العنكبوت".. لماذا تستميت إسرائيل في معركة بنت جبيل؟
منذ منتصف شهر أبريل/نيسان الجاري، تكثف إسرائيل غاراتها وعملياتها العسكرية البرية في مدينة بنت جبيل في جنوب لبنان، بعد الحصار الخانق الذي فرضته على المدينة وسط معارك كر وفر ضارية مع حزب الله في سبيل السيطرة عليها.
وإذا عرفنا أن مساحة بنت جبيل لا تتجاوز 9 كيلومترات، تبرز أسئلة عديدة عن أسباب التركيز الإسرائيلي عليها، وعن سياسة الأرض المحروقة التي انتهجها جيش الاحتلال الاسرائيلي في التعامل مع المدينة التي تشير آخر التقارير إلى حجم الضرر الذي لحق بها جراء الحرب.

احنا الاسرع ooredoo
برعاية
فما أهمية المدينة رمزيا وإستراتيجيا بالنسبة لإسرائيل؟ ولماذا يعتبر بعض المحللين السياسيين أنها تمثل عقدة لإسرائيل على المستويين السياسي والعسكري؟
عقدة نصر الله و"بيت العنكبوت"
تكشف تصريحات إسرائيلية لسياسيين وعسكريين جذور العقدة الإسرائيلية تجاه بنت جبيل التي تبعد نحو 5 كيلومترات فقط من الحدود اللبنانية مع إسرائيل، وتُعد معقلا مهما للمقاومة اللبنانية. ولعل أحدث التصريحات الإسرائيلية بهذا الشأن ما صدر عن قائد لواء المظليين في جيش الاحتلال الإسرائيلي الذي قال مؤخرا إن قواته "تخوض حاليا قتالا مكثفا وتاريخيا في بنت جبيل"، معتبرا أن هذه المعارك تُعد امتدادا للمعارك التي شهدتها المدينة في عام 2006.
وقال قائد لواء المظليين الإسرائيلي، خلال خطاب بمناسبة ذكرى مقتل أكثر من 30 ألف يهودي معظمهم عسكريون منذ بدء الاستيطان اليهودي في فلسطين عام 1851، إنه "في المنطقة التي حاول فيها نصر الله (الأمين العام الراحل لحزب الله حسن نصر الله ) إظهار إسرائيل دولة ضعيفة، تعمل قوات المظليين الآن بقوة وتقضي على مسلحين وتحقق إنجازات عملياتية مهمة".
وفي كلام القائد العسكري الإسرائيلي إحالة مباشرة إلى خطاب حسن نصر الله الشهير قبل 26 عاما، حيث قال في خطاب ألقاه في بنت جبيل بعد إجبار القوات الاسرائيلية على الانسحاب من جنوب لبنان عام 2000، إن إسرائيل "أوهن من بيت العنكبوت".
ويرى محللون سياسيون أن خطاب النصر الذي ألقاه الأمين العام لحزب الله آنذاك في المدينة أكسبها بعدا رمزيا في المقاومة والمعركة ضد الاحتلال الاسرائيلي ، كما أكسبها في المقابل بعدا انتقاميا لدى الطرف الإسرائيلي.
وقد أعلن الجيش الإسرائيلي خلال الحرب الحالية استهداف ملعب المدينة الذي ألقى منه نصر الله خطابه قبل 26 عاما، كما تباهى مسؤولون إسرائيليون من بينهم رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو باستهداف الملعب، وصرح مؤخرا بأن إسرائيل على وشك حسم المعركة في بنت جبيل.
ما الأهمية الإستراتيجية لبنت جبيل؟
تمثل مدينة بنت جبيل نقطة ارتكاز جغرافي وعسكري في جنوب لبنان، وتستمد أهميتها الإستراتيجية من عدة عوامل ميدانية:
عقدة المواصلات والربط:
تقع البلدة عند تقاطع طرق حيوي، إذ تقع عند تقاطع طريق تبنين/بنت جبيل الذي يربط القطاع الغربي للحدود بالقطاع الأوسط، بينما يربط طريق (عيناتا- مارون الراس- بنت جبيل) القرى الجبلية بقرى رميش وعيتا الشعب ، مما يتيح للاحتلال ربط قواته من عدة محاور وتوفير ممرات للربط بين وحداته المختلفة.
الإشراف والسيطرة النارية:
تبعد البلدة نحو 3 كيلومترات فقط عن "الخط الأزرق"، مما يجعلها مطلة مباشرة على الحدود ومستوطنات الجليل الأعلى. كما أن ارتفاعها يمنح جيش الاحتلال موقعا يشرف على المناطق المحيطة، وهو ما يعني امتلاك قدرة نارية لحصار مناطق أخرى واستهداف أي تحرك في المنطقة.
قطع خطوط الإمداد:
تمنح السيطرة على طرق البلدة القدرة على قطع إمدادات حزب الله القادمة من القرى المجاورة أو تلك المتجهة غربا نحو مدينة صور .
مميزات دفاعية:
تشكل العلاقة بين التلال والوديان في بنت جبيل ميزة دفاعية طبيعية، كانت تُستخدم تاريخيا كمركز للتخزين الطبيعي للأسلحة.
مشروع "الخط الأصفر":
تقع البلدة في منتصف منطقة ما يسمى بـ"الخط الأصفر" الإسرائيلي الجديد، لذا فإن السيطرة عليها تعني فرض شريط احتلالي يهدف إلى عزل المنطقة ومنع سكانها من العودة إليها مستقبلا.
سياسة الأرض المحروقة
بعد أسابيع من الغارات والحصار والتوغل، تكشف معطيات الواقع أن جيش الاحتلال الإسرائيلي صب جام غضبه على مدينة بنت جبيل، متعاملا معها وفق سياسة الأرض المحروقة.
وقد أظهرت صور أقمار صناعية حديثة تحولات جذرية في المشهد العمراني للمدينة، حيث تلاشت أحياء كاملة خلال أسابيع قليلة، وتحولت مساحات كانت مأهولة إلى فراغات مفتوحة نتيجة القصف المكثف والعمليات العسكرية في واحدة من أكثر جبهات الجنوب اللبناني عنفا.
وتوثق الصور اختفاء منشآت ومبان كانت قائمة حتى 20 فبراير/شباط الماضي، إذ تعرضت عشرات المواقع الحيوية لأضرار تراوحت بين المحو التام والدمار الجزئي الشديد. ومن أبرز المعالم التي طالها التدمير: مدرسة عبد اللطيف سعد، مجمع أهل البيت، مسجد الإمام الحسين، المكتب الحكومي لقضاء بنت جبيل، وسوق الخميس التاريخي، إضافة إلى المناطق المحيطة بالمقبرة والطريق الدائري للمدينة.
كما رصدت الصور تدميرا كاملا لملعب بنت جبيل -الموقع الذي اكتسب رمزية خاصة منذ خطاب التحرير الذي ألقاه الأمين العام السابق لحزب الله- والذي كان جيش الاحتلال قد أعلن استهدافه بشكل مباشر في بيانات سابقة.
ورغم الدمار الكبير الذي لحق بالمدينة، لا تزال بنت جبيل مستعصية على الحسم العسكري السريع، ولاتزال المعركة الدائرة للسيطرة عليها صراعا يتجاوز السيطرة على بضعة كيلومترات مربعة، فهو بالنسبة لإسرائيل محاولة متأخرة لترميم الردع الذي انكسر على مدرجات ملعبها قبل 26 عاما.
