
من نيكسون إلى ترامب.. كيف حولت الصين الباندا لسفير دبلوماسي؟
بالتزامن مع زيارة الرئيس الصيني بينغ إلى الولايات المتحدة ولقائه الرئيس دونالد ترامب، عادت إلى الواجهة واحدة من أغرب أدوات القوة الناعمة التي استخدمتها بكين لعقود؛ وهي "دبلوماسية الباندا".
فبينما ناقش الزعيمان ملفات التجارة والذكاء الاصطناعي وتايوان وإيران، حملت العلاقة بين البلدين تاريخاً موازياً بطله حيوان أبيض وأسود نادر، تحول على مدى عقود إلى رمز للصداقة والتقارب السياسي بين الصين ودول العالم.

احنا الاسرع ooredoo
برعاية
لكن ما المقصود بـ"دبلوماسية الباندا"؟ ولماذا اختارت الصين هذا الحيوان تحديداً؟
حيوان نادر موطنه الصين
وتعتبر الصين الموطن الأصلي للباندا العملاق، حيث تعيش تجمعاته البرية حالياً في المناطق الجبلية بوسط البلاد، خصوصاً في مقاطعة سيتشوان، إلى جانب قانسو وشنشي، و تعتمد بصورة أساسية على غابات الخيزران.
فيما يقدر عدد حيوانات الباندا العملاقة في البرية، بنحو 1864 فقط، موزعة على تجمعات متفرقة، بحسب حديقة الحيوان الوطنية التابعة لمؤسسة سميثسونيان.
لكن بعد جهود طويلة لحمايتها، تحسن وضعها من "مهددة بالانقراض" إلى "معرضة للخطر"، لكن بقاءها لا يزال مرتبطاً بحماية موائلها الطبيعية وغابات الخيزران.
إلا أن هذه الندرة، إلى جانب الشعبية الهائلة التي يتمتع بها الحيوان عالمياً وارتباطه الوثيق بالصين، منحته قيمة رمزية استثنائية.
ومن هنا ظهرت عبارة "دبلوماسية الباندا"، التي تشير إلى استخدام بكين إرسال حيوانات الباندا إلى دول أخرى بوصفها رمزاً للصداقة والتعاون، إلى جانب دور برامج الإعارة الحديثة في الأبحاث وحماية النوع. ويرى باحثون أن هذه الممارسة شكلت أيضاً أداة من أدوات القوة الناعمة الصينية.
من هدية إلى "سفير"
هذا وتعود جذور استخدام الباندا في العلاقات الخارجية إلى ما قبل تأسيس جمهورية الصين الشعبية. إذ تشير مصادر تاريخية إلى إرسال حيواني باندا إلى الولايات المتحدة عام 1941 في عهد الحكومة القومية الصينية، فيما بدأت بكين، بعد تأسيس الجمهورية الشعبية، استخدام هذه السياسة بشكل أكثر انتظاماً في خمسينيات القرن الماضي.
وفي عام 1957، أرسلت الصين الباندا "بينغ بينغ" إلى الاتحاد السوفيتي، ثم واصلت إرسال الحيوانات إلى دول اعتبرتها صديقة. وبين عامي 1957 و1983، قدمت بكين 24 باندا إلى 9 دول، من بينها الاتحاد السوفيتي وكوريا الشمالية والولايات المتحدة وبريطانيا واليابان وفرنسا وألمانيا الغربية والمكسيك وإسبانيا.
لكن أشهر فصول هذه الدبلوماسية جاء مع الولايات المتحدة.
ففي فبراير (شباط) 1972، أجرى الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون زيارته التاريخية إلى الصين، في محطة أساسية على طريق التقارب بين البلدين بعد أكثر من عقدين من القطيعة والتوتر.
وخلال مأدبة في بكين، تحدثت السيدة الأميركية الأولى بات نيكسون عن إعجابها بالباندا. عندها عرض رئيس الوزراء الصيني تشو إن لاي إرسال اثنين منها إلى الأميركيين.
ثم وصل بالفعل "لينغ لينغ" و"هسينغ هسينغ" إلى واشنطن في 16 أبريل 1972، وقدما هدية من الصين إلى الشعب الأميركي، بينما قدم الجانب الأميركي للصين زوجاً من ثيران المسك، بحسب تقرير لمؤسسة سميثسونيان.
فيما كان الاستقبال الشعبي لافتاً. ففي أول عطلة نهاية أسبوع بعد وصولهما، زار نحو 24 ألف شخص حديقة الحيوان لمشاهدتهما، قبل أن يتجاوز عدد الزوار المليون خلال الأسابيع الأولى.
وهكذا أصبحت الباندا جزءاً من الصورة العامة للتقارب الصيني الأميركي.
لم تعد هدية
لكن قواعد اللعبة تغيرت لاحقاً. فابتداء من ثمانينيات القرن الماضي، تخلت الصين تدريجياً عن سياسة منح الباندا كهدايا دائمة، وانتقلت إلى نموذج الإعارة، ثم تطور النظام إلى اتفاقيات طويلة الأمد مرتبطة بالتكاثر والبحث العلمي والحفاظ على الحيوان.
وهذا يعني أن القول إن الصين "تهدي" الولايات المتحدة باندا في الوقت الحالي ليس دقيقاً. فالباندا التي تصل إلى الحدائق الأميركية اليوم تبقى ملكاً للصين بموجب الاتفاقيات، كما تخضع الحيوانات التي تولد منها لترتيبات تقضي بانتقالها لاحقاً إلى الصين. ويتضح ذلك في أحدث اتفاق بين جمعية الحفاظ على الحياة البرية الصينية وحديقة الحيوان الوطنية في واشنطن، الذي أعاد الباندا إلى العاصمة الأميركية بعد فترة غياب.
ففي أكتوبر (تشرين الأول) 2024، وصل إلى واشنطن الدبان "باو لي" و"تشينغ باو"، بموجب اتفاق تعاون في الأبحاث والتكاثر يمتد عشر سنوات حتى أبريل (نيسان) 2034، بحسب الحديقة الوطنية. وينص الاتفاق بوضوح على أن الدبين وأي صغار يولدون لهما يبقون ملكاً للصين، على أن تنتقل الصغار المولودة في واشنطن إلى الصين بحلول سن الرابعة.
أما المقابل، فتدفع حديقة الحيوان في واشنطن مليون دولار سنوياً إلى جمعية الحفاظ على الحياة البرية الصينية لدعم مشروعات البحث والحفاظ على الباندا، ولا تستخدم أموال الحكومة الفيدرالية الأميركية لدفع هذه الرسوم.
لماذا الباندا؟
وتكمن قوة هذه الدبلوماسية في بساطتها. فبدلاً من البيانات السياسية والمفاوضات المعقدة، تقدم الباندا صورة ودودة للصين تستطيع الوصول مباشرة إلى الجمهور.
كما أن ندرة الحيوان وارتباط موطنه بالصين يمنحان بكين قدرة كبيرة على إدارة وجوده في حدائق الحيوان العالمية. وفي الوقت نفسه، تؤكد المؤسسات المشاركة في البرامج أن الإعارات ليست مجرد رموز سياسية، بل تمول أبحاثاً تتعلق بالتكاثر والموائل وغابات الخيزران وتأثير تغير المناخ والحفاظ على التنوع البيولوجي.
لهذا يصعب اختزال "دبلوماسية الباندا" في تفسير واحد. فهي أداة للقوة الناعمة والعلاقات العامة من جهة، وبرنامج للتعاون العلمي والحفاظ على الحيوانات من جهة أخرى. كما ربط بعض الباحثين توقيت بعض اتفاقيات الباندا بمراحل من التقارب السياسي أو التجاري، لكن هذا لا يعني أن كل إعارة مرتبطة مباشرة بصفقة سياسية محددة، بحسب جامعة كامبريدج.
وبالنسبة للعلاقة مع الولايات المتحدة، تحمل الباندا رمزية خاصة يصعب تجاهلها. فقد وصلت "لينغ لينغ" و"هسينغ هسينغ" مع انفتاح نيكسون على الصين عام 1972، وبعد أكثر من نصف قرن لا يزال "باو لي" و"تشينغ باو" في واشنطن، لكن هذه المرة بصفتهما جزءاً من اتفاق إعارة وبحث علمي طويل الأمد، لا هدية دبلوماسية.
وبينما يجلس شي جين بينغ وترامب إلى طاولة واحدة لمناقشة ملفات أكثر تعقيداً بكثير، تبقى الباندا شاهداً لطيفاً على حقيقة دبلوماسية قديمة؛ فأحياناً تستطيع الحيوانات أن تؤدي دوراً رمزياً لا تستطيع البيانات الرسمية القيام به.
