النيل واللاجئين والأمن.. تحذيرات مصرية من شهر حاسم في إثيوبيا

النيل واللاجئين والأمن.. تحذيرات مصرية من شهر حاسم في إثيوبيا

1h

تشهد إثيوبيا منذ أيام عدة تصعيداً ميدانياً وسياسياً متسارعاً يضع رئيس الوزراء آبي أحمد أمام أحد أصعب التحديات منذ وصوله إلى السلطة، في ظل تطورات ميدانية لافتة بدأت بسيطرة قوات من إقليم  تيجراي على مطار "ألولا أبانيغا" في ميكيلي، بالتزامن مع تعليق الخطوط الجوية الإثيوبية رحلاتها إلى مطارات ميكيلي وأكسوم وشيري.

وتزامنت هذه التطورات مع إعلان 7 جماعات مسلحة إثيوبية، تمثل قوى رئيسية من تيغراي والأمهرة والأورومو، تشكيل "تحالف القوى الشعبية الإثيوبية من أجل البقاء" يهدف إلى إسقاط الحكومة المركزية وتشكيل حكومة انتقالية، في خطوة تعكس تقارب خصوم متنافرين سابقاً ضمن جبهة موحدة ضد أديس أبابا.

فيما تتجاوز تداعيات هذه الأحداث حدود الداخل الإثيوبي، لتطال أمن القرن الإفريقي وحوض النيل، وهي ملفات تتابعها مصر عن كثب نظراً لارتباطها المباشر بقضايا الأمن القومي المصري، وفي مقدمتها سد النهضة ومياه النيل وأمن البحر الأحمر.

فهل يستطيع آبي أحمد احتواء الأزمة ومنع اتساع رقعة التمرد المسلح؟ أم أن البلاد تتجه نحو مرحلة مواجهة مفتوحة قد تعيد تشكيل موازين القوى في المنطقة؟

 

إعادة ترتيب التوازنات الجيوسياسية والأمنية

في هذا السياق، رأى الخبير العسكري والاستراتيجي المصري اللواء أركان حرب أيمن عبد المحسن، في تصريحات خاصة لـ"العربية.نت/الحدث.نت"، أن ما يحدث داخل إثيوبيا "يعيد ترتيب التوازنات الجيوسياسية والأمنية في القرن الإفريقي بشكل جذري، بالنظر إلى الوزن الديموغرافي والاقتصادي والعسكري الكبير لأديس أبابا".

وأوضح عبد المحسن أن "التطورات الأخيرة المتمثلة في تجدد الصراعات الداخلية، والاندفاع الخارجي للوصول إلى البحر الأحمر، وإعادة تشكيل التحالفات الإقليمية أحدثت شروخاً عميقة في استقرار المنطقة"، مضيفاً أن البلاد تعيش حالة استقطاب حادة إثر تدهور التفاهمات الهشة، حيث أعلنت جبهة تحرير شعب تيغراي دخولها في "حرب دفاعية" جديدة والسيطرة على مواقع حيوية في الشمال.

مخاوف من حرب أهلية وأزمة لاجئين

كما حذر من أن تفتت الدولة الإثيوبية يهدد بتدفق ملايين اللاجئين نحو دول الجوار من بينها السودان، وجنوب السودان، وكينيا، وهي دول تعاني بالأساس من أزمات اقتصادية وأمنية معقدة.

كذلك أشار أن اندفاع أديس أبابا نحو البحر الأحمر يحول المنطقة من ساحة "جوار حذر" إلى بؤرة مواجهات إقليمية مباشرة وحروب بالوكالة.

 

فيما أكد أن انهيار التفاهمات السياسية القائمة واتساع نطاق المواجهات مع ميليشيات "فانو" وجيش تحرير أورومو قد يدفع إثيوبيا نحو حرب أهلية شاملة.

استراتيجية مصر

ولفت الخبير إلى وجود بؤر توتر مشتعلة على عدة جبهات بسبب المواقف الإثيوبية الأخيرة، بالتوازي مع تصاعد الاتهامات المتبادلة والتحشيدات العسكرية على الحدود الإريترية إثر مساعي أديس أبابا للحصول على منفذ بحري، فضلاً عن الأزمة الحادة مع مقديشو جراء الاتفاق المبرم مع إقليم "أرض الصومال" غير المعترف به.

إلى ذلك كشف أن مصر تتعامل مع هذه التطورات عبر استراتيجية تقوم على تعزيز الحضور الدبلوماسي وتوسيع شبكة الشراكات الإقليمية في القرن الإفريقي، بهدف حماية مصالحها الاستراتيجية المرتبطة بسد النهضة وأمن البحر الأحمر.

تحالف غير مسبوق ضد آبي أحمد

من جانبه، اعتبر المحاضر في كلية القادة والأركان بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، اللواء أركان حرب أسامة محمود كبير، أن المواجهات الحالية بين القوات الحكومية والمعارضة في إقليم تيغراي تختلف جذرياً عن جولات الصراع السابقة في عامي 2020 و2022. وبيّن كبير في لـ"العربية.نت/الحدث.نت" أن الصراع لم يعد مقتصراً على "جبهة تحرير شعب تيغراي"، بل أصبح يضم 6 فصائل أخرى من بينها عناصر "فانو" في إقليم الأمهرة، وجيش تحرير أورومو، إلى جانب مجموعات مسلحة من بني شنقول والعفر.

اختلال ميزان القوى

كما أشار إلى أن ميليشيات تيغراي نجحت في السيطرة على مطارين حيويين قرب ميكيلي وتعطيل حركة الطيران فيهما، معتبراً أن خطورة الوضع بالنسبة للحكومة تنبع من 3 عوامل رئيسية.

 

ويتمثل العامل الأول في الحصار الجغرافي والديموغرافي، إذ تنتشر الفصائل المعارضة في 4 اتجاهات رئيسية تحيط بالعاصمة أديس أبابا من الشرق والشمال الشرقي والشمال والجنوب، ما يضع مركز السلطة تحت ضغط متزايد.

أما العامل الثاني فيتمثل في اختلال ميزان القوى لصالح المعارضة، التي نجحت، بحسب تقديره، في حشد قوة بشرية وعسكرية تفوق بثلاثة أضعاف ما كان عليه الوضع خلال مواجهات عام 2020.

سيناريو السقوط والفوضى

هذا ورجح كبير أن يؤدي استمرار التنسيق السياسي والعسكري بين الفصائل المعارضة إلى زيادة الضغوط على حكومة آبي أحمد، لافتاً إلى أن نجاح هذه الفصائل في إسقاط الحكومة قد يفتح الباب أمام صراع داخلي جديد بينها على تقاسم النفوذ والسلطة بسبب الخلافات التاريخية المتراكمة.

كما أضاف أن حكومة آبي أحمد تواجه ما وصفه بـ"مأزق تاريخي"، معتبراً أنها قد تتعرض لخطر السقوط خلال شهر واحد فقط إذا استمرت المواجهات بالوتيرة الحالية دون حصولها على دعم عسكري خارجي.

فيما ختم بالتأكيد على أن انزلاق إثيوبيا إلى الفوضى أو الحرب الأهلية قد يدفع المجتمع الدولي إلى التدخل لمنع انتقال تداعيات الأزمة إلى دول القرن الإفريقي، خاصة في ظل حساسية وضع الملاحة الدولية في مضيق باب المندب، مما يجعل التداعيات أسرع من القدرة على الاحتواء إذا لم يُتدارك الموقف.