12 ديوانا وكوكبا هو التميم

  • الأربعاء 2021-02-17 - الساعة 17:55

غاب الأحبة عن فضاء المقبرة ، والمعجبون ،وذائقة الشعر لا طوابير  لهم هناك  ، مثلما كانوا امام قاعات  شعر الأمسيات  .  كان تخيل المشهد النهائي  والسرطان  يزحف في صدره ، سيموت هناك ويموت هنا  مثلما  ولد هناك وولد هنا .ها انت وحدك يا ابن السكينة تلقي قصيدتك   الأخيرة في العراء بين التراب وتحت زمجرة  الهواء   : إني انا الشاعر  الراحل مريد ، تركت فيكم اثني عشر ديوانا وكوكبا هو التميم ، فهاتوا بحسنى  حسانكم  كي تستمر به  السلالة.

كان  الراحل  يعيش حياة الدهشة ودهشة الحياة  دوما ،عندما يتحدث يروي بدهشة ، وعندما يستمع يرسم دهشة الاستماع بزم شفتيه ، وعندما يلف حديقة  البيت في عمان التي  اعتنت بها والدته كان يتفحص الازهار بدهشة اكبر ويروي النباتات لإسعاد امه بل ان ري النبات كان يعطيه فرصة للتأمل الشعري  . أمه  سكينة   كانت سيدة متكاملة اعتنت باطفالها واحسنت توجيههم فهي من اوائل البنات اللواتي التحقن بمدرسة للإناث في ديرغسانة في مطلع عشرينات القرن الماضي ودرست قليلا لأن هناك من اغلق المدرسة كرها في تعليم البنات ، لكن دراستها علمتها القراءة والكتابة وارضعت ما تعلمته لاطفالها .  قلت لمريد الراحل ذات يوم خذ هذا المشهد عن خطبة سكينة لعبد الرازق   روته والدتي ام الناهض . قالت  كان هناك اكثر من خاطب لسكينة وتحراها قريبها عبد الرازق (والد مريد) وطال انتظاره الى أن وافق والدها عليه دون غيره ، وانتشر الخبر في القرية فسمعت والدتها أي جدتي بالأمر وكان جد مريد ابن خالها فحملت عباءتها  وتوجهت    الى دار ابن خالها  ولحقت بها امي وكانت طفلة راصدة لما يحدث. فما ان دخلت الجدة الى بيت ابن خالها وجدته   يرقص وحيدا فرحا  مع ظله على الحائط ،فقنديل الكاز كان موضوعا على نافذة قرب الباب  وهو يرقص فرحا امامه فيلقي  ظله على الحائط ، وما ان دخلت الجدة حتى رمت عباءتها  وشبكت  كفيها بكفيه  وصارا يرقصان معا احتفالا بالمناسبة .كانت رقصة الظل بداية عائلة ابو منيف .توفي منيف الذي اجتهد وبات رجل اعمال في قطر لكنه ظل حتى آخر أيامه في شوق للعودة ولم يسمح له الاحتلال بذلك وكان يعيده عن الجسر رغم حصوله على تصاريح زيارة  . وذات يوم التقيته في عمان فطلب ان اصور  له الوسط القديم التاريخي في القرية لأنه يعد مشروعا لتطويره وبعدها باسابيع توفي على الحدود الفرنسية السويسرية . وحملت ما طلب من صور واعطيتها لمريد  في عمان . عاش مريد حياة متقلبة فقد ولد في دير غسانه سنة 1944 .

ظل مريد بين  القاهرة وعمان ، وكثيرا ما عاد الى رام الله بعد حصوله على هوية فلسطينية  وبعد فترة عرض عليه ان يتولى ادارة مشروع   ثقافي معماري بتمويل من اليونسكو وألحوا عليه ان يقبل فعاد الى رام الله ،بينما رفضت  زوجته رضوى    ان يستقر ابنها في رام الله مدرسا في احدى الجامعات حتى لا تفقده ببطش احتلالي لأنه وحيدها .وهي الاخرى  تشبعت الحالة الفلسطينية كانها عاشت هنا حيث اصدرت رواية عن قرية الطنطورة المهجرة . وكان مريد  القى   بتميم في عطلات الصيف في كنف جدته  حيث استمع بشغف الى اللهجة الفلسطينية واتقنها وتشبع بالتراث من قريبات جدته في حلقاتهن في عمان  .  تلقى مريد صدمة "ثورية" عندما ابعد من مصر بعد كامب ديفيد وذهب الى بيروت لكنه عومل كأنه ليس من صلب هيكيلة الاعلام ولم يطلب  وظيفة بل  انسحب وذهب   الى الكويت وعرض عليه العمل في احدى الصحف ككاتب افتتاحية وكتب سلسلة منها لكنه كان يريد جوا آخر  فتوجه الى بغداد خيث استقر قليلا الى ان حصل على وظيفة اممية في بودابست . وتلقى صدمة  ثورية اخرى  عندما  عرض عليه ان يدير مشروعا لليونسكو لإحصاء الاعمار التاريخي  في فلسطين والحوا عليه لكي يعود من القاهرة   فعاد ليعمل في المشروع  فتبين له انهم احضروه    كإسم مشهور دوليا في عالم الثقافة فقط لأن ادارة المشروع الفعلية والمالية ستبقى بيد آخرين فتصور نفسه ستارا يغطي على عملية فساد بل قيل له علنا اننا احضرناك كإسم فقط فثار واستقال . جاءني بعد استقالته بساعات    الى مقر الجريدة حيث اعمل وروى لي ما حدث  وقال انه استقال الى غير رجعة   .فكتبت في زاويتي في حينه ما تعرض له مريد من خداع الفاسدين وكان العنوان" وطن للآخرين" وبعد نشر المقال جاء من يقول لي انه تم حل الخلاف مع مريد ولا داعي لكي ابلغ الرئيس ابو عمار  بالأمر،  ولم يحل  الخلاف بالطبع لأن مريد لم ينتظر حلا بل سافر في اليوم التالي تاركا ميزانية المشروع الذي لم ينفذ للفاسدين   . وكانت تلك بداية  قطيعته مع النظام الفلسطيني.

   قال في رثاء محمود درويش:

وكأنّه إذ مات أخْلَفَ ما وعدْ.، وكأنّنا لمناه بعض الشيء يومَ رحيلِهِ.، وكأنّنا كنّا اتّفقنا أن يعيش إلى الأبدْ.

وقال لي  الكبير محمود في لحظة ما ونحن على متن طائرة اقلعت  من ابو ظبي  الى عمان قبل رحيله بعام  وبتواضع الكبار الكبار "على الساحة الآن شاعر متميز لكنه منعزل ،إنه مريد ". وصمت الدرويش ولم يقل من بعدي مريد  شعرا او رحيلا .فكأنما قصد الأمرين معا.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز