وداعا أيها الرجل الأمين

  • الخميس 2020-03-19 - الساعة 11:15
بقلم: حافظ البرغوثي

إقتطع لنفسه وعائلته وأحفادة السنة الأخير من عمره، رحل ابو العبد الطيب الخلوق الصدوق. كان من الفدائيين الأولين ومن الإعلاميين المبادرين ومن الأمناء على سر الثورة  والجمرة، فهو نجل المجاهد الشهيد الشاعر الذي نفذ ما قاله شعرا وحمل روحه على راحته حتى الشهادة في معركة الشجرة .

قلت لأخينا الأكبر أبو العبد ذات يوم  هل تعرف كيف استشهد الوالد رحمه الله فقال في المعركة، فقلت  هناك زميل من  الجليل  اجرى مقابلة تلفزيونية مع احد كبار السن في الشجرة  ووصف الرجل كيف  استشهد الوالد وكان الرجل فتى صغيرا  وقال : لقد نفذ منه الرصاص فوقف عبد الرحيم محمود ولوح ببندقيته والقاها في الهواء نحو العدو فأصيب ، واستشهد في مشهد  متناسق مع قصيدته الشهيرة، وهو يردد ابياتا من شعره.

كانت المرة الأولى التي يسمع ابو العبد هذه الحكاية وتأثر بها ، ربما استشعر انه حرم من والده طفلا فأقتطع لنفسه وعائلته السنة الاخيرة ، واقام في القاهرة وكنت على اتصال معه  بين حين وآخر، انتظر عودته.

في المرة الأخيرة قال كعادته دعنا نعصف فكريا في بعض القضايا الساخنة فهو يحب العصف الفكري والتحليل السياسي وله مخزون لا ينضب من الذكريات والأسرار، وكان في الأسابيع الاخيرة متشائما من الوضع العام ومآلات القضية ، ولما سالته عن صحته قال ان ساقه فيها مشاكل ولديه مشاكل قديمة في نبضات القلب واشار الى ان الرئيس ابو مازن إتصل به للاطمئنان على صحته.

ابو العبد ذاكرة الثورة ، يحفظ كل شيء عنها عاشها  طفلا  يتيم الأب،  وشابا  ناشطا طلابيا جامعيا  والتحق  بالثورة  اعلاميا  وسياسيا  قريبا من صنع القرار.

لم ينزلق الى النميمة ، وكان يكره ان يسمع عن احد في مكتبه  حتى من ناصبه العداء كان يأنف من مجاراته. فهو أمين ونقي السريرة . ذات يوم وجدته يضع أسماء لأمر ما ، فقلت له ان هذا الاسم صاحبه لا يوفرك من التطاول  دون مبرر  فقال : علينا ان نميز بين الأهواء الشخصية والعمل العام فهو يصلح لهذه المهمة بغض النظر عن رأيه بي او رأيي فيه.

رحل ابو العبد قبل أوانه ، لكن الحياة التي عاشها من تنقل واضطراب وسهر وعمل  تكفي لزلزلة جبل هو وغيره من القادة الاوائل.

تعرفنا عليه في الكويت عندما جاء من الصين مع  الزميل نبيل عمرو للاشراف على انتخابات اتحاد الكتاب والصحفيين بعد الإنشقاق في فتح ثم انتقل الى القاهرة كسفير لمنظمة التحرير  ثم الى عمان.

كان مصري الهوى مثل الراحل الكبير الشهيد ابو عمار ، ومن احاديثه تشعر انه تأثر كثيرا بشخصية ابو عمار والملك حسين معا. وهو من القلائل الذين استنتجوا مبكرا منذ نهاية المرحلة الانتقالية لإتقاق اوسلو ان الاسرائيليين لن يوافقوا على اقامة دولة فلسطينية بأي شكل من الاشكال . ولاحقا كان يقول من العبث الحوار مع حركة حماس لأنها لن تأتي الى المصالحة فبرنامجها ليس وطنيا بل حزبي خاص بجماعتها  فقد حاورهم مطولا في عهد ابو عمار  وخبرهم جيدا .

وكان كافرا بالسياسة الاميركية ، وروى كيف ان الراحل ابو عمار طلب لقاء مع الملك حسين لكي يفهم مسارات  السياسة الاميركية ،  وقال  ابو العبد ذهبنا الى القصر الملكي وسأله ابو عمار   ماهي السياسة الاميركية  في المنطقة ؟ فالتفت الملك الراحل الى الطيب وقال هات سيجارة يا طيب ، وكان ممنوعا من التدخين وأخذ نفسا ثم قال :هناك ثابت  واحد في السياسة الاميركية  وهو اسرائيل اولا وثانيا وعاشرا. فقال ابو عمار: والدول العربية  والنفط !فرد الملك  : كلنا بعد عاشرا.

ظل ابو العبد يعصف سياسيا حتى الرمق الأخير، صبور ومحب للآخرين لا  يخرج من فمه الا الكلام الطيب ، سريع التأثر لفرط عواطفه  فترى دموعه في عينيه واحيانا كان يعيد على مسمعي قراءة ما كتب لخطاب في مناسبة ما فتراه يدمع. رحل الرجل المناضل في مرحلة مريضة من تاريخنا ولئيمة دوليا حط رحاله في القاهرة التي احب بعد عنبتا حيث عائلته الكبيرة. له الرحمة ولذويه واخوته في الثورة وعائلته الكبيرة  أحر التعازي والمواساة .

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز